- الشاعر عادل صيّاد يسأل والشاعر سليمان جوّادي يجيب
صيّاد: لماذا تراجعتَ عن كتابة الأغاني في زمن كثر فيه النشاز الفنيّ؟
لطالما ارتبطت صورة الحوارات الصحفية بين رجل إعلام وبين رجل أدب، بصورة الشرطي الذي يفتش في لسان اللص عن دليل إدانة، يخرج به الشرطي منتشيا بذكائه ”التحقيقي”، ويدخل به اللص المحاوَرُ في الغالب قفص الاتّهام، لذلك فكّرنا أن نستدرج ”لصوص المتعة الأدبية”، لمحاورة بعضهم البعض، في ”محشاشتهم” البعيدة عن أنظار ”المخبر الصحفي”·· أكيد سيكون الحوار أكثر حميمية وأكثر مكاشفة، ما دام لا يعرف مزاج اللص سوى لص آخر·· / وعذرا على هذه التشبيهات اللاسعة/ ·· في عدد اليوم، صافح الشاعر عادل صيّاد يد الشاعر سليمان جوّادي، وبعد المصافحة كان هذا الحوار··
أصدرت مؤخرا مجموعتك الشعرية الجديدة بعد سنوات من الصيام عن النشر· حدثنا عن هذا العمل، وعن المغزى من تكريم الشاعر الكبير أبو القاسم خمار؟ وهل تعتقد أن هذا الأخير قد نال حقه من التكريم والاهتمام؟
مجموعتي الأخيرة: ”قال سليمان” تضم قصائد كتبت في مدد متفاوتة لكنها تلتقي جميعها في غنائيتها وقربها من ذاتي، ولعلمك وعلم القراء فقد أصدرت لي وزارة الثقافة مجموعتي الشعرية غير الكاملة عن دار أربيسك وكذا ديوان: ” لا شعر بعدك” الذي يضم كثيرا من القصائد المغناة أوالقابلة للغناء·· أما بالنسبة للشاعر الجزائري الكبير محمد أبو القاسم خمار، فبالإضافة إلى أنه رائد من رواد الشعر الجزائري الحديث وأهم الأصوات التي واكبت الثورة التحريرية وتغنت بأمجادها وببطولات رجالها، فإنه الأخ الكبير الذي أخذ بيدي والصديق الذي ألجأ إليه ساعات الضيق والمسؤول الذي استفدت كثيرا من توجيهاته في بداياتي في عالم الصحافة، حيث اشتغلت تحت إمرته في مجلة ألوان·· وأقول لك بكل مرارة إن أبا القاسم خمار لم ينل ما يستحقه لا كشاعر و لا كإنسان·· و لعل قصيدتي ”سيد الشعراء” المرفوعة إليه إسقاط وفيّ صادق على كل ما يعانيه أدباؤنا الكبار في هذا الزمن الجزائري الرديء ··
ما تزال وفيا للشعر في وقت شرع الكثير في هجره إلى الرواية· هل تفكر في هذه الهجرة /التجربة؟
لا بأس إن همست في أذنيك الاثنتين يا عزيزي بأني ما زلت مقتنعا أن الشعر يسعني ويسع معاناتي ويستوعب همومي وانشغالاتي ولا يشكو من صراخي وحماقاتي· ما زلت أشعر بأبوة الشعر لي و سيطرته المطلقة على ميولاتي الأدبية، ولذلك فإن فك الارتباط معه غير وارد في المدى القريب·· وأعلن لك بأني سأبقى على قيد الشعر ما بقيت على قيد الحياة··
بماذا تفسر انسحاب الكثير من الأصوات الشعرية السبعينية من المشهد·· هل جفّ ينبوع الإبداع؟ أم ثمة أسباب موضوعية؟
جوادي : سؤالك هذا يحيلني على سؤالك السابق، فبعض الزملاء طلق الشعر لكنه لم يطلق الكتابة فرموز الشعر السبعيني - إن صح التعبير - ما زالوا يكتبون و يحتلون المشهد الإعلامي و لكن في مجالات أخرى، فهذا محمد زتيلي وأحلام مستغانمي اتجها إلى الرواية، و هذا إدريس بوذيبة اتجه إلى النقد الأدبي، و هذا عبد العالي رزاقي وحمري بحري استهوتهما الكتابة في السياسة وكذا البحوث الأكاديمية في مجال الإعلام و الاتصال بالنسبة للأول، و هذا الدكتور أحمد حمدي وجد ضالته في الكتابة للمسرح، أما عمر أزراج فأصبح كثير الاهتمام بالفلسفة وعلم الاجتماع، فيما بقي الشعراء محمد مصطفى الغماري و عبد الحميد شكيل ربيعة جلطي و زينب الأعوج و عبد الله حدي ابن الأصيل، أوفياء للشعر·
أنت بدورك تراجعت عن كتابة الأغنية بعدما عشت بكلماتك ذاك الزمن الجزائري المتألق· هل أصبحت الكلمة الجميلة نشازا في زمننا هذا؟
في السابق كانت وسائل الإعلام العمومية الثقيلة تتبنى الأغنية الملتزمة النظيفة و تروج لها و تهتم بمؤلفيها من شعراء وملحنين ومطربين وتحفظ لهم ماء وجوههم، أما الآن فقد ترك هؤلاء لحال سبيلهم و أصبحوا فعلا يشعرون في ظل تراكم الرداءة والكلمات السوقية المبتذلة بأنهم نوتة ناشزة و طير يغني خارج السرب وأيتام على مائدة لئام·· و لعل التراجع الذي تتحدث عنه متأت من هذا السبب، خاصة أن المطربين الجيدين المتعودين على أداء الأغنية الراقية النظيفة إما انخرطوا في صف الرداءة أو اعتزلوا الساحة الفنية بشكل نهائي··
بالمناسبة ما رأيك في الأغنية الجزائرية اليوم؟
جميل أن تصل الأغنية الجزائرية إلى العالمية ولكن كان أجمل لو دخلت العالمية بكلمات نظيفة مهذبة·· فوجود مطربين جزائريين في صدارة الطرب العالمي لا يعفينا من ضرورة البحث عما يرقى بأذواقنا و يسمو بمشاعرنا وأحاسيسنا·· علينا أن نبحث عمن يواصل مسيرة أحمد وهبي و بلاوي الهواري وخليفي أحمد و وردة وغيرهم من فطاحل الأغنية الجزائرية·· هل تصدق إذا قلت لك إني كنت من أكبر المعارضين لبرنامج ألحان وشباب، ولكني سرعان ما تراجعت وغيرت رأيي لما وجدت فيه من طاقات شبانية هائلة و لما لمسته لدى طلاب مدرسة ألحان وشباب من حس مرهف و ذوق رفيع، تمنيت صادقا لو استمرت التلفزة الجزائرية و الديوان الوطني للثقافة والإعلام و غيرهما من المؤسسات الثقي




























